قبل احتفالية منتخب مصر.. لماذا يعشق المصريون كرة القدم؟ (تحليل نفسي)
كتب : محمد عماد
منتخب مصر لكرة القدم
قبل ساعات من احتفالية منتخب مصر في ستاد القاهرة، وذلك عقب وصولهم إلى الوطن بعد تألقهم في مونديال 2026، وتحقيق أرقام وإنجازات لم يسبق لها مثيل منذ مشاركة مصر في نهائيات كأس العالم بإيطاليا بعام 1934.
تسائل الكثيرون عن الفرحة الوطنية للمنتخب وربطها بالانتماء للبلد، واجتماع جميع طوائف الشعب على حالة وشعور واحد تحت لواء وانتماء واحد وهو حب الوطن، وهذا ما يوضحه الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر.
قبل احتفالية منتخب مصر.. لماذا يعشق المصريون كرة القدم؟
قال الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر، إن رغم كراهية البعض للزحام، لكن يحرص العديد منا للنزول إلى الشارع ليختلط مع المصريين السعداء بأي إنجاز للمنتخب الوطني، والتي يعتبرها البعض لحظات استثنائية ترى فيها الفرحة الحقيقية تغمر الجميع على اختلاف انتماءاتهم واتجاهاتهم وميولهم، مشيرًا إلى أنها الحالة الوحيدة التي تتجمع فيها قلوب المصريين ويتجاوزون إحباطاتهم وهمومهم وأحزانهم ومخاوفهم.
وأضاف المهدي، في منشور عبر حسابه على الرسمي فيسبوك، أنه يعتبرها حالة من الزحام الاختياري اللذيذ الذي تتوقف فيها حركة المرور دون تذمر أو ضيق أو سخط على النظام المروري المضطرب، واصفًا إياها بحالة ينسى الجميع فيها غلاء الأسعار، وصعوبات الحياة، واستقطابات السياسة، معتبرها حالة فريدة بكل معنى الكلمة لا يدركها إلا من ينزل للشارع ليذوب وسط هذه الموجات البشرية السعيدة.
اقرأ أيضًا.. ومن الحبِ ما قتل- وفاة مشجعين حزنًا على المنتخب المصري
وأوضح الخبير النفسي، أن السر وراء هذا الانتماء السعيد والذوبان الأسعد والتوحد الشعبي الهائل، لمواجهة موجات الهموم والصراعات والخلافات لكي تضع مكانها كل هذه التيارات من الفرح الحقيقي والجارف، مشيرًا إلى أن الشكل الكروي هو أكثر الأشكال راحة للنفس، ويجعل القلوب تلتف حول الكرة من كل الطوائف والأعمار ومن كل الجهات بشكل متساو، واصفًا الكرة بمصدر المتعة الدنيوية الوحيدة التي لا تفرق بين غني وفقير، أو بين مثقف وجاهل، أو بين صغير وكبير، إنها حالة من المساواة الاجتماعية في توزيع السعادة الممزوجة بالإثارة.
الانتماء الكروي بسبب ضعف الانتماءات الأخرى
أما بشأن الانتماء الكروي، يرى المهدي أنه بمثابة انتماء بديل وبريء بعد أن ضعفت الانتماءات الأخرى أو أصبحت محاطة بمخاطر ومحاذير خاصة الانتماءين الديني والسياسي، مستشهدًا بظاهرة خروج الشباب المصري للشوارع عقب فوز المنتخب الوطني، والتي تستحق دراسة علماء النفس، مع العلم إن حماسهم ضعف في مسائل الانتماء والهوية في مواقف كثيرة، واصفًا الشباب بـ"جوعى للانتماء وطالبي هوية".
وذكر المهدي، منشورًا لشابة مصرية تقول: "عفوا فأنا لا أشعر بوطنيتي إلا أثناء المباريات الدولية؛ ولست وحدي من أعاني من الوطنية الكروية فمعظم أبناء جيلي لا يهتفون باسم مصر إلا أثناء تسجيل أهداف مباريات كرة القدم الدولية فقط، فأنا لا أتذكر أني أمسكت علم مصر إلا في كأس الأمم الإفريقية لعام 2006"، ومين في مصر ممسكوش حيث كانت الوطنية الكروية في أزهى عصورها في مصر وأتمنى أن يأتي يوم أشعر بهذا الشعور الجميل شعور الوطنية تجاه أي شيء أخر سوى الكورة، أتمنى أن أهتف لمصر خارج الإستاد وأتمنى أن أمسك علم مصر خارج المستطيل الأخضر".
الخبير النفسي: أرض الملعب تعبر عن حياتنا البديلة
وبعد استعراضه رؤية الفتاة، أوضح الخبير النفسي، أن أرض الملعب مثالا لحياة بديلة يرى فيها الأشخاص العدل والقوة والجمال والنظام والانضباط والانتصار والصراع النظيف أو المنافسة الشريفة، وكلها أشياء أصبحت مفتقدة في الحياة اليومية، موضحًا أنهم يثورون إذا تحيز الحكم لأحد الفريقين أو أصدر قرارا ظالما، ونراهم لا يتسامحون مع لاعب قصر في أداء واجبه مع أنهم هم جميعا مقصرين في أداء الواجبات، مشيرًا إلى أن أرض الملعب نظيفة ومخططة ومحددة في حين تغيب النظافة ويغيب النظام بمجرد الخروج من باب الملعب، ونراهم يهاجمون المدرب إذا وضع أحد اللاعبين في التشكيل مجاملة أو وساطة مع أنهم يفعلون ذلك ويقبلونه أو يرغمون عليه كل يوم.
وأضاف أن النفس البشرية تتوق للقوة، الجمال، البطولة، والانتصار، والذي قد لا تجده في الحياة اليومية، أو لا تستطيع تحقيقه لهذا تحاول أن تشبع من هذه المعاني بأن تملأ أعينها من قوة اللاعبين وجمال الأداء وروعته، وحلاوة البطولة ولذة الانتصار، واصفًا أن مجريات المباريات تكون أشبه بلذة المقامرة بين قطبي المكسب والخسارة، وبهذا تحقق الكرة وتقلباتها الحكمة، قائلة : "لو لم يكن للمعنى عكس المعنى لما كان للمعنى معنى".
كرة القدم والإدمان
أكد أن حلاوة الكرة هو تقلبها بين المكسب والخسارة، وبالتالي تقلب القلوب معها صعودا وهبوطا، طردا للملل والركود والثبات البليد، مستشهدًا بإحدى نظريات الإدمان بأن المدمن يتعاطى لكي يمر بخبرات التقلب في حالات مزاجية مختلفة أو يرتفع وينخفض بحالة وعيه، واللاعبون بهذا المعنى لا يركلون الكرة بين أرجلهم وإنما يركلون قلوب مشاهديهم الذين يستمتعون بهذا الركل اللذيذ مع ما يصاحبه من تقلبات في مستويات الأدرينالين والدوبامين.
قد يهمك.. هل يشارك ميسي في مباراة مصر؟- إليك تطورات إصابته "فيديوجرافيك"
ارتباط كرة القدم بالنشوة الجنسية
ومن ناحية أخرى، أشار إلى أن المحللين يرون أن اختراق الكرة لمرمى الخصم له معنى جنسيا، ويفسرون بذلك حالة النشوة الجماعية التي تنتاب الجماهير الفائزة، مضيفًا أن الملاعب لا تخلوا من المعتقدات الدينية والسياسية، وكثير من الأساطير والخرافات تظهر في كيفية استدعاء النصر بالطقوس الدينية أو بالتعاويذ والأدعية، وأيضا في التعبير عن فرحة الفوز بالسجود، أو الانبطاح أرضا أو دعاء الشكر، أو أي طقس يرتبط بالثقافة الشعبية أو الجذور الدينية.
ويرى الخبير النفسي أن البعض يعتبر لاعبي الكرة صناع سعادة للشعوب بجانب كونهم صناع ألعاب، خاصة تلك الشعوب التي امتلأت جوانب نفوسها بمشاعر الاحباط والتعاسة وفقدان الأمل في الحاضر والمستقبل، حيث يكتفي كل مواطن مشاهدة مباراة كرة قدم في نهاية يومه التعيس لكي ينسى همومه ومتاعبه ويستطيع النوم بلا مشاكل له أو لغيره، واصفًا الكرة بإنها قد تكون الحل للعلاج النفسي للجموع الغفيرة حيث يهاجم المشاهدون الحكام (حكام الكرة) ويصبون عليهم جام غضبهم لاحتساب ضربة جزاء خاطئة أو لتحيزهم لفريق ضد آخر، معتبرًا كل هذا بمثابة تنفيسا هائلا عن رغبات مكبوتة.
كرة القدم ودفء الأسرة
واختتم المهدي، رؤيته التحليلية، بأن الكرة تعيد الدفء للعلاقات الأسرية حين تلتف الأسرة لأول مرة في حياتها في وقت واحد حول جهاز التلفاز وقد نسوا خلافاتهم وأحزانهم وغربتهم واغترابهم لكي يشاهدوا المبارة، وهكذا تتبدل الحياة وتتغير مع صعود الكرة وهبوطها، وتنشط الأجهزة الحيوية بشكل رائع ومفاجئ عند اختراق الكرة لشبكة الخصم، وتسعد الجماهير بسهرة حتى الصباح رافعة أعلام الوطن المنتصر.